عبد الفتاح اسماعيل شلبي
2
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
حتى إذا تضلع منه ريا وأدرك أربا ، انصرف إليه يمحصه ، ويقلب النظر فيه ، وإنه خلال هذا وذاك ليضيف إليه ويستخلص منه ما شاء اللّه أن يضيف ويستخلص ، ولما أن رضى عنه واطمأن إليه ، خرج به على الناس علما منظما ، وعملا مقدما ، وأثرا جديدا أو أشبه بالجديد من كل مقتبس أو منقول . وقد أعجب الناس بحجة الفارسي وبراعته في التأليف ، كما أعجبوا من قبل بكتاب سيبويه وبراعته كذلك في التأليف ؛ إذ رأوا الحجة في بابها كالكتاب في بابه : فالحجة تدعم القراءات وتحتج لها ، وتنفى الشّبه عنها بما فيها من النصوص الشاهدة ، والبحوث البارعة ، والأدلة الناصعة . والكتاب يكفل للناس عصمة الألسنة أن تجرى بلحن أو تحريف في تلاوة كلام اللّه ؛ بما يرفع للنحو من قواعد ، ويؤصل من أصول ويفرع من فروع ، ويقرر من مسائل . وإذا لقد بذل كلاهما للدين من نفسه ، وخدمه جاهدا بعلمه ، وأدرك من دنياه الغاية التي كان يجمع عليها سلف هذه الأمة الكريمة في علم ما يعلمون : أن يجعلوه قربى إلى اللّه ، ووسيلة يخدمون بها دينه الحنيف في ناحية من نواحيه . ولم يكن الفارسي قبل اليوم معروفا على مقدار ما تستوجبه مكانته العالية وآثاره الباقية ، وما يقتضيه البر به والإنصاف له وحسن الاعتراف بفضله ، فما كان الرجل فيما أعلم إلا أشتاتا من الآراء المرددة ، والأنباء المرسلة ، والترجمات المقتضبة ، وما كانت كتبه كذلك إلا مجرد أسماء نقرؤها في كتب التراجم والفهارس ، ثم لا نكاد نعرف منها أو نعرف عنها إلا اليسير . وما كان منتظرا في عهد الركود والجمود أن يكون حظ الفارسي خيرا من هذا الحظ ، ولا أن يكون نصيبه من الدرس والبحث غير هذا النصيب من الإغفال والإهمال ، فقد كان الرجل في جلالة بحوثه ، وعمق فلسفته أبعد منالا ، وأعسر متناولا من أن يستشرفه أو يتطاول إليه باحث أو ناشر إلا في عهد توثب ونهوض . فلهذا نرى الدكتور عبد الفتاح شلبي دون غيره يختص به ، وينبعث في طلبه ، وفي هذا العصر على التعيين ، ولا أرى أن هذا وذاك لمجرد المصادفة والاتفاق ، ولكنه في الواقع للمناسبة المواتية بين الفارسي وصاحبه ، ثم بين الفارسي والوقت الذي قدر له أن يبعث فيه : فالدكتور عبد الفتاح شلبي باحث جلد ، متمكن في دراسته جم النشاط ، وافر الإخلاص . والعهد عهد القومية العربية في تجمعها ونهوضها